|

لم يعد استعمار الإنسان للفضاء مجرد حلم مستحيل لا يصلح إلا مادة للأفلام الخرافية البعيدة عن الواقع، بل بات حقيقة علمية تشغل علماء الفضاء بالبحث عن سبل تطبيقها ليل نهار، خصوصاً أن آخر الدراسات والأبحاث العلمية، التي تجريها وكالة الفضاء الأميركية «الناسا» وعدد من مراكز الأبحاث العالمية في أميركا وأوروبا، أثبتت إمكانية تطوير مصعد فضائي يربط الأرض بالغلاف الجوّي، ما يتيح للإنسان، بعد عدة سنوات، فرصة الانتقال مع أغراضه وأمتعته و»تمضية عطلته في الجو، بعيداً عن جو الأرض مسافة 36 ألف كلم، وقد يمكنه في المستقبل أن يزور القمر بتكلفة عادية، تضاهي تكلفة زيارة أي دولة أوروبية لتمضية عطلة فيها»، حسبما أكد لـ «بريق الدانة» عالم الفيزياء الفلكية في جامعة برنستون الأميركية، ومدير مختبر الدفع بالبلازما التابع لوكالة «الناسا» البروفسور اللبناني الأصل إدغار الشويري، الذي يعمل بدوره على تطوير «صواريخ» أو مركبات فضائية صغيرة تعمل على «وقود» البلازما، يمكنها الوصول إلى الفضاء ونقل الراغبين من الغلاف الجوي للأرض بإتجاه القمر أو المريخ.
وأشار الشويري إلى أن «مجموعة من العلماء أطلقت فكرة، كانت منذ أعوام فكرة خيالية، لكنها أصبحت الآن علمية مثبتة وقابلة للتحقيق، وهي عبارة عن مصعد فضائي، يعمل على كابل كالمصعد العادي، لكن الكابل غير عادي ومميز جداً، وهو يحمل قوة هائلة لأنه يجب أن يمتد من الأرض إلى مسافة 36 ألف كلم وأكثر صعوداً عن سطح الأرض». وأكد أن «العمل جار الآن على تصنيع هذا الكابل من مادة جديدة اسمها كاربون نانوتوبس، وهي مادة يتم تصنيعها ميكروسكوبياً، ومنها يتم صنع كابل أو خيط يتمتع بمتانة اكثر مئة مرة من الفولاذ»، لافتاً إلى أنه إذا تم تصنيع هذه المادة، سيكون من الممكن الافادة منها في عدة استخدامات على الأرض».
تفاصيل رحلة ”بريق الدانة“ الحالمة الى الفضاء مع العالم الشويري في الحوار الآتي نصه:
ما هو هدف مختبر الدفع بالبلازما الذي تديره؟
هدف المختبر هو إعداد أبحاث عن تطوير صواريخ تستخدم في الفضاء. والصواريخ التي نصممها لا تستخدم في النطاق الأرضي، وليس لها أي معنى حربي أو عسكري، وأقول ذلك لأن كلمة صاروخ في العالم العربي تستخدم في المجال العسكري، أما الصواريخ التي نصممها، فهي مركبات تستخدم في الفضاء فقط. معظم الصواريخ التي تستخدم لولوج الفضاء اليوم هي صواريخ تقليدية تعمل على قوة الدفع الناجمة عن حرق الوقود. أما الصواريخ التي أعمل على تصميمها وتطويرها، فهي تستبدل الوقود بالبلازما.
ما هي البلازما؟
البلازما أو مادة «الليتنيوم» هي عبارة عن غازات مكهربة. ويمكن القول أن البلازما تعتبر الحالة الرابعة من المادة الجامدة. فالمادة الجامدة هي الحالة الأولى، كالمعدن مثلاً. عندما يتم اخضاع هذه المادة الجامدة للطاقة تتحول إلى سائل، وهي الحالة الثانية من المادة، ومع رفع مستوى الطاقة أكثر تتحول المادة إلى الحالة الثالثة وهي الغاز، وإذا أضيف المزيد من الطاقة إلى الغاز يتحوّل إلى بلازما. لكن البلازما لا يمكن توليدها على الأرض، لأن الطاقة الضرورية لتوليدها ليست موجودة على الأرض. إذاً، عندما نعرّض الغاز لهذه الطاقة الكبرى، يتحوّل إلى مجموعة ذرّات مكهربة، لأن الطاقة تدخل إلى كل ذرّة وتطلق إلكتروناً مكهرباً، فيصبح الغاز مكهرباً، وعندها يمكن أن نضغط به على أي حقل مغناطيسي. إذاً، لكي نولّد البلازما من أجل أحداث قوة دفع في الصواريخ، نضع الغاز ونعرّضه للطاقة الكهربائية ونسرّع البلازما أكثر فأكثر لأحداث قوة دفع أكبر للصاروخ.
البلازما إذاً هي وقود للصواريخ؟
هي بمثابة «وقود» نعم، لكن كلمة وقود تعني أن ثمة شيئاً يحترق، أما البلازما، فهي لا تشتعل بل تعتمد على الحقول المغناطيسية والكهربائية من أجل تسريعها. هي بمثابة غاز الدفع للصاروخ.

ما الفرق عملياً بين الصاروخ التقليدي وصاروخ البلازما؟
المهم في صواريخ البلازما غير التقليدية هذه، هو أن فاعليتها أكثر بكثير من الصواريخ التقليدية. فلكي ننطلق من سطح الأرض إلى سطح القمر مثلاً، نحتاج لكمية هائلة من الوقود، أما صاروخ البلازما فلا يحتاج إلى الوقود، وكمية البلازما المحدودة فيه تقطع مسافات أكبر بكثير. وكمثال تبسيطي، إذا قمنا بجولة متواصلة لكافة مناطق للبنان بالسيارة، قد نحتاج لملء خزان السيارة بالوقود أكثر من 50 مرة. أما بواسطة البلازما (لو كان ذلك ممكناً طبعاًَ)، فقد نذهب من لبنان إلى الكويت بكمية محدودة جداً من «وقود» البلازما.
ألا يمكن أن تستخدم البلازما في المستقبل لتحريك المركبات والآليات على سطح الأرض، أي السيارات وغيرها؟
كلا، لا يمكن أن تستخدم البلازما، لأن توليدها يكلّف الكثير من الطاقة الكهربائية، وخارج نطاق جاذبية الأرض، لا تحتاج المركبات لقوة دفع كبيرة، لذلك يمكن استعمال الطاقة الشمسية لتوليد البلازما. أمّا على الأرض، فجاذبية الأرض وجو الأرض يتطلبان قوة دفع قوية جداً، وتكلّف الكثير من الطاقة الكهربائية لتوليد البلازما.
هل تنطلق صواريخ البلازما هذه من الأرض إلى الفضاء؟
كلا. عادةً تُستخدم الصواريخ التقليدية للخروج من الأرض إلى الفضاء، أي على ارتفاع 300 كلم عن سطح الأرض. أما القمر مثلاً فيبعد 380 ألف كلم، فيما المريخ يبعد 50 مليون كلم. لذلك، يستخدم الصاروخ التقليدي للخروج من نطاق الأرض، وبعدها ننطلق من مدار الأرض عبر صواريخ البلازما إلى القمر أو المريخ أو أي هدف آخر.
وما حقيقة المصعد الكهربائي الذي يتم العمل على تصميمه لنقل الناس من الأرض إلى الفضاء؟
هذا مشروع ضخم وجديد يتم إعداد أبحاث حوله. لأن ثمة مشكلة في الصواريخ التقليدية، تقلل من فعاليتها وهي أنها تكلّف كثيراً. فإذا أردنا نقل كلغ واحد لوضعه في مدار حول الأرض، يكلّف 100 ألف دولار، لأن سعر الوقود وحمل كمية الوقود الهائلة لوضع هذا الكيلو جرام في المدار الفضائي مسألة تكلّف الكثير.
من هنا، أطلقت مجموعة من العلماء فكرة، كانت منذ أعوام فكرة خيالية، لكنها أصبحت الآن علمية مثبتة وقابلة للتحقيق، وهي عبارة عن مصعد فضائي، يعمل على كابل كالمصعد العادي، لكن الكابل غير عادي ومميز جداً، وهو يحمل قوة هائلة لأنه يجب أن يمتد من الأرض إلى مسافة 36 ألف كلم وأكثر صعوداً عن سطح الأرض. ويتم العمل الآن على تصنيع هذا الكابل من مادة جديدة اسمها كاربون نانوتوبس، وهي مادة يتم تصنيعها ميكروسكوبياً، ومنها يتم صنع كابل أو خيط يتمتع بمتانة أكثر مئة مرة من الفولاذ. وهذه المادة إذا تم تصنيعها يمكن الإفادة منها في عدة استخدامات على الأرض.
كل هذه المشاريع ما زالت مجرد أبحاث ودراسات؟
نعم. لكنني لا أعمل شخصياً في مجال المصعد الكهربائي، بل ثمة عدد من العلماء يعملون على هذا المشروع، ويتم الآن تنظيم جائزة في الولايات المتحدة الأميركية بقيمة نصف مليون دولار لأي فريق عمل من العلماء يبرهن على أنه يمكن الصعود على كابل مسافة معينة وبسرعة محددة.

هل ثمة علماء عرب ضمن الفرق التي تعمل في هذا المجال؟
نعم. ثمة الكثير من العلماء العرب في كل أنحاء العلوم التي أعرفها. منهم عرب ومنهم من هم من أصل عربي، ومعظمهم من اللبنانيين والمصريين، بالإضافة إلى المغرب والجزائر وسائر الدول العربية. لكن عموماً، معظم العلماء العرب أو الذين لهم أصول عربية هم من اللبنانيين، لأن تاريخ لبنان قديم وحافل من جهة تصدير العقول وهجرة الشباب من أجل تحصيل العلوم في الخارج.
هل تعتبر صواريخ البلازما التي تصممها نوعاً من «السياحة الكونية» في المستقبل؟
تستخدم صواريخ البلازما منذ حوالي خمسة عشر عاماً في الرحلات التي تبعد كثيراً عن الأرض بسبب فعاليتها. أما مسألة السايحة فهي تبقى رهن التكلفة الباهظة التي يكبّدها نقل الإنسان وأغراضه من الأرض إلى المدار الفضائي للأرض، لأن دفع هذا الحجم والوزن لإبعاده عن جاذبية الأرض يحتاج إلى قوة دفع هائلة، وبالتالي يكلف ثمناً هائلاً. أما عندما يصبح هذا الوزن بعيداً عن نطاق جاذبية الأرض والجو الأرضي، أي على بعد حوالي 80 كلم، وبسرعة معينة، يتخلص من الجاذبية ويحتاج لقوة دفع أقل. من هنا، من الصعب أن تتم السياحة، مادام أن نقل الكيلو الواحد خارج الجو الأرضي يكلّف حوالي 100 الف دولار. وإلى أن يتم إيجاد الحل لهذه المشكلة، قد نتوصل إلى السياحة الكونية. وهذه المشكلة يمكن أن تحل عن قريب، من خلال إيجاد صواريخ جديدة أكثر فعالية، أي صواريخ كيميائية تقليدية. لكن هذا الأمر ما زال صعباً بعض الشيء، بحيث لم يتمكن العلماء حتى الآن من تصميم صاروخ فعّال لدرجة تجعل السياحة الكونية معقولة. والآن ثمة مشروع المصعد الفضائي، وهو يعد أكثر من غيره لقيام أي شخص بسياحة في الفضاء.
إذا ما تحقق المصعد الفضائي إذاً، يمكن لأي شخص يملك المال أن يتجوّل في الفضاء؟
إذا تحقق المصعد الفضائي، حسب التكنولوجيا الموجودة، وإذا اصبح تقنية معروفة، قد لا يحتاج الى الكثير من المال، وقد يتمكن الإنسان عندها من قضاء عطلته في الجو، بعيداً عن جو الأرض مسافة 36 ألف كلم، وقد يمكنه في المستقبل أن يزور القمر بتكلفة عادية، تضاهي تكلفة زيارة أي دولة أوروبية لقضاء عطلة فيها.
وبغض النظر عن التكلفة الاقتصادية. ما هي مخاطر تنقل الإنسان في الفضاء؟ وما الخطر الذي يشكله تنقل الإنسان العادي عبر صواريخ البلازما في الفضاء؟
هذا السؤال مهم جداً، لأن الانسان تطوّر بيولوجياً بشكل يسمح له بالعيش على الأرض وحدها. وبالطبع فإن تأقلم الإنسان مع العيش في الفضاء، قد يحتاج لعدة آلاف من السنين على الأقل. فإذا عاش الإنسان على سطح المريخ على مدى عدة آلاف من السنين قد يتأقلم، ويتغيّر جسده بطريقة تسمح له بالعيش فيه.
أما صواريخ البلازما، فهي لا تشكل أي خطر، لأن قوة الدفع فيها ليست مرتفعة جداً، بحيث لا يشعر الإنسان بشيء. لكن الخطر الأكبر هو مسألة الاشعاع. فالأرض محاطة بحقل مغناطيسي وغلاف جوي يحمي الإنسان من الاشعاعات الموجودة في الكون، والنابعة من نجمة الشمس وكل النجوم الأخرى. وهذه الإشعاعات لا تقتصر على تلك التي نراها بالعين المجردة فقط، بل ثمة أيضاً إشعاعات أخرى كثيرة تتكون من ذرّات سريعة جداً، وهي موجودة في كل الكون، منها ما يعرف أصله ومنها ما لا يعرف أصله. هذا الحقل المغناطيسي للأرض يمنع هذه الاشعاعات من الوصول إلى سطحها، لذلك يمكن للإنسان أن يعيش ويصمد على سطح الأرض، بعد ان تأقلم مع أنواع الإشعاع التي تصل إليه. أما إذا انتقل الإنسان إلى المريخ دون حماية، فالرحلة تستغرق خمسة أو ستة أشهر، وهي تعرض الإنسان لأضعاف الاشعاعات التي يتعرض لها على سطح الأرض. وهذا هو الخطر الأكبر. لذلك ينبغي عليه أن يرتدي طوقاً، كما يجب تغليف المركبة الفضائية بمعادن ثقيلة، الأمر الذي يرفع التكلفة بشكل كبير. إذاً الخطر الأكبر الذي يهدد تنقل الإنسان في الفضاء هي الإشعاعات. أما عندما يصل الإنسان إلى سطح القمر أو المريخ، فيمكن أن يصنع محيطا خاص به آمنا ويحميه من الإشعاع، تحت سطح القمر أو المريخ. لكن الرحلة إجمالاً ليست سهلة. القمر ليس بعيداً ويمكن الوصول إليه بأقل من يوميْن في الصواريخ التقليدية، وخلال عدة ساعات في الصواريخ المستقبلية، أما المريخ فهو أبعد، وبالتالي الرحلة اليه أصعب. وهنا ثمة علماء يجرون أبحاثاً لمحاولة فهم كيفية تأثر الخلايا البيولوجية للإنسان بالإشعاع وكيف تصلح نفسها، وأمور كثيرة غير مفهومة، لكنها هامة جداً في سبيل مستقبل الاستعمار الفضائي من قبل الإنسان.

هل اختبرت بنفسك هذه الصواريخ التي تجري أبحاثك حولها؟
طبعاً، فأنا لدي مختبر كامل، نجري فيه اختبارات على الصواريخ بمساعدة فريق علماء وطلاب دكتوراه وتقنيين، لكنني أعمل على النظريات أيضاً. التطبيق يقتصر في عملي على الاختبارات لبرهنة الأبحاث، أما بناء الصاروخ الذي يتم تركيبه على المركبة الفضائية، فيتم صنعه في المصانع، بعد انتهاء الأبحاث حوله وحل كل مشاكله من خلال الأبحاث والاختبارات. وفي مختبري، نعمل على تطوير الصواريخ واستحداث أفكار لصواريخ جديدة.
ما هو جديدك في هذا المجال؟
جديدي هو صاروخ طرحت فكرته منذ حوالي 6 سنوات، اسمه فاراد (farad)، وكان مجرد فكرة على ورق، أما الآن فقد طوّرنا الفكرة، ونفّذتها وكالة ناسا الأميركية، عن طريق أحد تلامذتي الذي شكل فريق في ناسا بمساعدة شركات تقنية. وفي المستقبل، عندما يصبح جاهزاً، تتولى الشركات صنعه وبناءه.
ما الجديد في هذا الصاروخ؟
هو صاروخ بلازما أيضاً، لكن البلازما فيه يتم تسريعها بشكل يجنبها الاصطدام بأية مادة اخرى. فعادة، في صواريخ البلازما، يتم تمرير تيارات كهربائية عبر غاز البلازما لكي نؤثر من خلالها على الحقل المغناطيسي، لإنتاج القوة قوة الدفع. وعادة، عندما يمر التيار بالبلازما، يمر أيضاً بالكترونات معدنية تتفتت مع الوقت وتتبخر بفعل الحرارة المرتفعة للبلازما، والتي تفوق العشرة آلاف درجة. وعندما تتفتت هذه الإلكتورنات ينتهي عمر الصاروخ عملياً. أما صاروخ فاراد، فهو مصمم بطريقة تسمح للبلازما بحياة أطول، لأنها لا تضرب بأي معادن أو مواد أو جدران، وبالتالي يمكن الاستفادة منه في مجالات أطول ومهمات أضخم وأطول عمراً.
ما هي أقصى طموحاتك كعالم؟
سبر أغوار العلوم شغف بحد ذاته، كَمَن يدخل إلى قصر ضخم ويفتح أبواب غرفه، وهو يجهل ماذا سيصادف في كل غرفة. هذه الاكتشافات هي الأهم، وهي التي تمنحني الشغف، وبالتالي ما هو موجود في آخر الطريق، ليس أكثر أهمية مما يصادفني في كل غرفة. وعموماً، في الأبحاث، نطرح سؤالاً ونبدأ بالبحث عن إجابة له، لكن أحياناً قد لا نجد الإجابة على سؤالنا، بل قد نصادف إجابات على أسئلة أخرى، وهذا مصدر تطور العلوم، كما أن ثمة تفاعلاً مستمراً مع اكتشافات الغير والاكتشافات القديمة.. وأنا أشعر بأنني محظوظ لأنني أقوم بأبحاث، لأن إجراء الأبحاث عمل مهم ومثير بحد ذاته، لدرجة أنني لا أصدق أنني أتقاضى راتباً شهرياً على عملي الذي أقوم به، لأنني مستعد لأن أدفع للجامعة ثمن قيامي بهذه الأبحاث. لدي شغف كثير بعملي، ولا أعتقد أنه يمكنني أن أحدد طموحا معينا أو هدفا معينا أقرر التقاعد بعد بلوغه. بل أنا ككل العلماء، عندما أحل مسألة، أنشرها، وبعدها أملّ منها وأنتقل فوراً إلى خطوة أخرى.
هل تعتبر أنك نلت حقّك من عالمك العربي ومن وطنك بالتحديد؟
أعتقد أنني نلت أكثر من حقّي، لأنني أنا المقصّر في حق وطني لبنان، لأنني هجرته وبقيت في الخارج. لذلك، أعتبر أنه حان الوقت الآن لأن ألعب دوري في وطني، في إطار تقوية العلوم وتطويرها، وتشجيع إنتاج الأبحاث العلمية. ومن أجل ذلك، منذ عدة أعوام، اجتمعتُ وعدد من العلماء اللبنانيين المهاجرين وانشأنا «أكاديمية العلوم اللبنانية». فكل بلد ناضج ويحب التقدم لديه أكاديمية علوم. وفي لبنان أنشأنا الأكاديمية، واجتمعت مؤخراً مع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، الذي قدر أهمية الأكاديمية. وتتألف الأكاديمية من خمسة عشر عالماً لبنانياً، كلّ منهم هو الأول في حقله ومجاله. ويعمل هؤلاء العلماء بشكل تطوّعي، ومهمتهم هي إرشاد البلد إلى كل جديد علمي والمساعدة في إنماء حضارة علمية في لبنان، وربط علماء لبنان المهاجرين بالعلماء المقيمين في لبنان، وتنمية الجامعات والمعاهد ومراكز الأبحاث العلمية في لبنان. وأولى ثمار الأكاديمية سيكون عبارة عن سيمبوزيوم ضخم، سوف يتم تنظيمه في بيروت في شهر نوفمبر المقبل، وسيشارك فيه كل عمداء ورؤساء ومدراء وأساتذة الجامعات وأساتذة المدارس في المجالات العلمية، وكل المهتمين بالشأن العلمي في لبنان، لقضاء يوميْن معاً. ولكي ندفع تكلفة السيمبوزيوم، طلبنا من الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة الاميركية المهتمة بتطوير العلوم في لبنان أن تساعدنا. وقد تأسست لهذه الغاية مؤسسة جديدة في الولايات المتحدة الأميركية سُميت «أصدقاء أكاديمية العلوم اللبنانية»، وهذه المؤسسة سوف تجمع المال لتمويل السيمبوزيوم خلال حفل ضخم وتاريخي سوف تنظمه في نيويورك قريباً. أما هدف السيمبوزيوم، فهو تفاعل أهل العلوم في لبنان والمهجر من أجل تحديد المشكلات العلمية في لبنان وطرح الحلول المناسبة لها، واستنباط برنامج عمل على مدى ثلاث سنوات يستوحى من هذه الخبرات والنصائح، ليرفعها إلى مستوى علمي عالمي. السيمبوزيوم إذاً سيكون حوارياً وهدفه أن نسمع من أهل العلوم في لبنان ما هي مشكلاتهم وحاجاتهم لتطوير العلوم في بلدنا. وسوف يتضمن السيمبوزيوم اثنتي عشرة جلسة عمل، سيُجبر خلالها المجتمعون على تحديد مجموعة التحديات التي تواجههم في حياتهم العلمية في لبنان، بالإضافة إلى اقتراحاتهم للحلول المناسبة لمواجهة هذه التحديات. وهدف الأكاديمية بعدها هو دراسة هذه المعلومات بشكل مفصّل، واقتراح برنامج عملها التطبيقي على مدى ثلاث سنوات.

كيف سُمح لك بترك الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً ان ثمة فكرة سائدة في لبنان عن أن العلماء اللبنانيين الذين يبرعون في الخارج، يكون مصيرهم مهدداً بشكل دائم؟
(يضحك) نعم سمعت هذه الفكرة عدة مرات خلال تواجدي في لبنان، وهي فكرة غريبة حقاً وخاطئة جداً ولا علاقة لها بالواقع. قد تكون ثمة حالات هامشية حصلت تاريخياً، لكنني أؤكد لك، كشخص أعمل في حقل العلوم في أميركا منذ ثلاثين عاماً، ألا تمييز عرقياً بين العلماء. وأكثرية العلماء في الولايات المتحدة الأميركية من أصول أجنبية. ففي جامعة برنستون مثلاً ، في الفرع الخاص بي، يوجد أكثر من 55 أستاذاً أكثر من 38 منهم ليسوا من أصل اميركي. ومثل هذه الفكرة في الحقيقة تحد من طموح العرب بالسفر من أجل تلقي العلوم العليا في الخارج. وقد لاحظت أيضاً أن ثمة في عالمنا العربي هوساً بالنظريات المؤامراتية. فقد صادفني صحافيون متأكدون بأن الرحلات الفضائية كلها خدع وتركيبات أميركية. ولا أدري لماذا سألوني إذا كانوا متأكدين لهذه الدرجة. لكنني أؤكد أن كل هذا الكلام مجرد شائعات، فثمة الكثير من الدول أرسلت مركبات إلى سطح القمر وليست أميركا وحدها. لماذا اذاً مهاجمة أميركا بهذه الشائعات؟ وهنا أؤكد بأنني أدافع عن وجه واحد من أوجه الولايات المتحدة الأميركية، وهو هو الوجه العلمي. أما الأوجه الأخرى، فلا علاقة لي بها. لا أتابع السياسة لكنني أنتقد السياسة الأميركية الخارجية تجاه الدول العربية، واقول رأيي بصراحة ومن قلب الولايات المتحدة الأميركية. لكن هذا لا يعني أن أهاجم أميركا بالمطلق، لأن الوجه العلمي فيها مهم جداً، وثمة الكثير من العرب اللامعين في أميركا والذين يعيشون بحرية تامة. فرئيس فرع الناسا الدكتور شارل عشي لبناني الأصل، وأهم فرع للعلماء في الناسا الذي يضم خمسة آلاف عالم ظل رئيسه على مدى خمس سنوات العالم مصطفى شاهين وهو أيضاً لبناني الاصل، ورئيس أحد أهم المعاهد التابعة لـ ”ناسا“ والمسؤول عن برنامج المريخ كله هو إيراني الأصل، وهو يعيش بحريته، مع الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية وحصرية الصناعة الأميركية، من خلال ضمان الحفاظ على 5 % من المعلومات. أما بالنسبة لي، فأنا رئيس مختبر جامعي مستقل ويموّل من قبل وكالة ”ناسا“ الأميركية. ولكنني كأستاذ وباحث جامعي، مُجبر، ضمن العقد الموقّع بيني وبين الجامعة، أن أنشر كل ما أتوصل إليه في أبحاثي. هكذا هي العلوم لا تتطور اذا لم يتم نشرها. وأنا لم أشعر يوماً بأي خطر أو تمييز ضدي. حصلت بعض المشكلات مع العرب بعد أحداث 11 سبتمبر، لكنها مشكلات بسيطة جداً لم نلحظها في الجامعات. التفوّق في الولايات المتحدة الأميركية يتم من خلال قدرة الفرد وليس من خلال إنتمائه. وهيهات لو نجرد العرب من بعض المفاهيم الخاطئة والتي تؤخّرهم عن اللحاق بركاب التطور العلمي المتسارع.
ثمة معلومات يتناقلها الناس عبر البريد الإلكتروني، تستند إلى دراسة علمية تقول بأن العالم سوف ينتهي في العام 2012، بسبب اصطدام كوكب ناري بالأرض، ما قد يؤدي إلى فناء البشرية ونهاية العالم. ومن ناحية ثانية، تقول وجهات النظر الدينية باقتراب نهاية العالم. ما رأيك بهذا الكلام من موقعك كعالم يؤمن بغزو الإنسان للفضاء بعد عشرات السنين؟
لا يوجد في تاريخ البشرية أي مرحلة لم يظهر فيها من قال بنهاية العالم بعد سنوات. وهذا نوع من هوس وقلق لدى الإنسان، قد يدفعه في بعض الأحيان إلى الاستشهاد بالعلم لإقناع نفسه بذلك، أو الاستناد إلى التنجيم أو أقوال الدين. لكن الدين، كل الأديان لم تحدد تاريخا لنهاية العالم، وكل تحديد هو اجتهاد وتخيّلات من قبل الإنسان. أما من موقعي كعالم، فأتفهم قلق الناس، لكنه دليل ضعف الثقافة العلمية، وعلينا أن نحارب هذا الضعف العلمي من خلال نشر الوعي العلمي أكثر، وحث المجتمع على عدم بناء قراراته بالاستناد إلى هذه الخرافات. ومكافحة هذه الظواهر تكمن في تنمية العلوم وتدريسها ونشر الوعي العلمي، وهكذا يستطيع الإنسان أن يفرّق بين الخرافة والامور الحقيقية. ومن موقعي كعالم فضاء أيضاً، أؤكد أن أي دراسة تقول بنهاية العالم هي خرافات، وأنا مستعد أن أعقد شرط معك على أن نلتقي هنا في بيروت في العام 2013. لن يحصل شيء من هذا الكلام ولن ينتهي العالم. طبعاً ثمة احتمال دائم لاصطدام أي جسم شمسي مع الأرض، لكن هذا الأمر يحصل خلال فترات متباعدة (ملايين السنين)، وحالياً ثمة دراسات لكل المدارات المحيطة بالأرض، ولن يحصل أي اصطدام قريب. أؤكد لك. ليس هناك خطر قريب، إلا إذا كنا نفكر بالمستقبل بعد ٥٠٠ ألف عام. لكنني أعتبر أن علينا أن نكون مستقبليين في تفكيرنا على المدى القريب، وأن نستفيد من الوقت في تطوير انفسنا وعلوم اوطاننا! |