|
ذكر الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن حسن الموسوي-أعلى الله مقامه-في مقدمة كتاب نهج البلاغة: (ومن عجائبه أي من عجائب الإمام علي -عليه السلام- التي انفرد بها, وأمن المشاركة فيها, أن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ , والتذكير والزواجر,إذا تأمله المتأمل, وفكر فيه المتفكر, وخلع من قلبه أنه كلام مثله ممن عظم قدره ونفذ أمره وأحاط بالرقاب ملكه ,لم يعترضه الشك في أنه كلام من لاحظ له في غير الزهادة,ولا شغل له بغير العبادة , قد قبع في كسر بيت , أو انقطع إلى سفح جبل, لا يسمع إلا حسه,ولا يرى إلا نفسه, ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا سيفه, فيقط الرقاب , ويجدل الأبطال ويعود به ينطف دما ويقطر مهجا , وهو مع تلك الحال زاهد الزهاد, وبدل الأبدال .وهذه من فضائله العجيبة وخصائصه التي جمع بها بين الأضداد وألف بين الأشتات).
ماذا نقول في شخص كانت ولادته وشهادته في بيت الله تعالى وهو بين الأمرين في حركته وسكونه وانفراده واجتماعه وكل أبعاد حياته يعيش من أجل إحياء دين الله وإقامة شعائر الله تعالى , يستقبل الشهادة في بيت الله تعالى (مسجد الكوفة) وهو يقول :فزت ورب الكعبة , أي ورب ذاك البيت الذي ولدت فيه , ولقد أجاد من قال:
غاية المدح في علاك ابتداء ليت شعري ما تصنع الشعراء
لا أراني بحاجة إلى ذكر فضائله في المصدرين النيرين الأساسيين القرآن الكريم والسنة المحمدية المطهرة فهما يفيضان أنوارا لامعة وشموسا ساطعة عن مراحل حياة علي -عليه السلام- في الطفولة والصبا والشباب والشيخوخة, من حيث مواقفه العبادية والجهادية والعلمية وبكلمة جامعة حرصه الشديد على الأتباع المحمدي الأكمل من أجل الحفاظ على صاحب الرسالة وذات الرسالة,وهذا يدرك تماما من كلامه-عليه السلام- في الخطبة القاصعة : (ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر أمه, يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به).
ذكر البيهقي في سننه حديثا عن رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-(من أحب أن ينظر إلى آدم في علمه , وإلى نوح في تقواه ,وإلى إبراهيم في حلمه , وإلى موسى في هيبته, وإلى عيسى في عبادته , فلينظر إلى علي بن أبي طالب) وإذا ضممنا إلى هذا الحديث قوله تعالى في آية المباهلة(وأنفسنا وأنفسكم) (المباهلة 61) يتجلى مطلب هام لكل صاحب عقل وقلب سليم وهو مساواة الإمام أمير المؤمنين- عليه السلام للنبي آدم-ولأنبياء أولي العزم-عليهم السلام- في كثير من الجهات, فعلم آدم يقول عنه تعالى:( وعلم آدم الأسماء كلها), وتقوى نوح-عليه السلام-: “(وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)( نوح 26) , وحلم إبراهيم -عليه السلام-(إن إبراهيم لحليم أواه منيب),( التوبة 114) , وهيبة موسى -عليه السلام-(وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر) (طه69) , وعبادة عيسى -عليه السلام-(وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) (مريم31) , فأي شخص يعطي للإنسان وزنا ويعلي له شأنا غير هذه الصفات الأعلى ظهورا من قبيل العلم والتقوى والحلم والهيبة والعبادة.
كان الإمام علي بن الحسين زين العابدين-عليه السلام-مع ما يحظى به من مكانة عالية في الأوساط الدينية والعلمية كما أقرها الفقهاء والعلماء والمحدثون , عندما يذكر جده الإمام عليا أمير المؤمنين-عليه السلام-يقرنه بالعلو المقامي الذي يعجز السلوك البشري من نيل ذاك المقام العلوي الرفيع, فلقد ذكر فضائله في مجلس يزيد في الشام من حيث ثباته في صدر الإسلام في البيعة والهجرة والجهاد ودحض الكفار وأقوالهم وأفعالهم والعلم والزهد وبشكل أطنب في بعديه اللفظي والمعنوي فسيطر على قلوب وعقول أهل الشام والحاضرين في ذاك المجلس وأعطى صورة واضحة المعالم عن جده المظلوم-عليه السلام-وفضله العميم وقدره الجسيم بفضل من القدير العليم,فختم الفضائل العلوية بقوله (مطلوب كل طالب ذاك جدي علي بن أبي طالب) وذكر الشيخ المفيد -قدس سره- في الإرشاد في حديث طويل قولا للإمام زين العابدين -عليه السلام- بعد أن أعطاه ولده الإمام الباقر -عليه السلام-كتابا فيه شيء من عبادة علي -عليه السلام-: (أنى لي بعبادة علي-عليه السلام-).
فأي مقام هذا ؟! نعم إنه مقام الولاية في حق علي,ولايته التي تعتبر ثالثة الأثافي بالنص القرآني (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا).
فالحق والحق أقول كما قال الشريف الرضي-قدس سره-: ( وهذه- أي العبادة والزهادة والشجاعة والبطولة-من فضائله العجيبة..) وأذكر هنا على نحو الإيجاز والعجالة فضيلتين(صفتين),الشجاعة والعبادة:
هو البكاء في المحراب ليلا هو الضحاك إذا اشتد الضراب
وما أحوجنا إليهما لترجمتهما من الحسن الفعلي (الأخلاق النظرية) إلى الحسن الفاعلي ( الأخلاق العملية ) المتمثلة بأفراد لهم همم عالية لتطبيق المفاهيم الأخلاقية الرفيعة في الساحات العملية.
فأما الشجاعة , فمشاركته -عليه السلام- في الحروب لا تحتاج إلى بيان فهي واضحة للعيان على مر الزمان حتى أن الزمخشري ذكر في (ربيع الأبرار) أن أفراد الكتيبة المناوئة كانوا إذا رأوا عليا أمامهم يوصي بعضهم إلى بعض خوفا من ضربة سيف علي. ويكفي ذكر غزوة خيبر التي ذكرها مسلم في صحيحة(كتاب الفضائل -باب فضائل علي بن أبي طالب-) قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: (لأعطين هذه الراية رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله).
وذكر هذه المنقبة له جمع من المحدثين والمفسرين والمؤرخين في أسفارهم كما في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد بن حنبل, وكتر العمال وتاريخ بغداد والاستيعاب والتفسير الكبير, وهذا الأخير من تأليف الفخر الرازي يقول في ذيل تفسير قوله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم..)سورة الكهف ما لفظه: ولهذا المعنى نرى أن كل ما كان أكثر علما بأحوال الغيب كان أقوى قلبا وأقل ضعفا, ولهذا قال علي كرم الله وجهه: (والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية, ولكن بقوة ربانية) .انتهى كلام الرازي مورد الشاهد.
ومن هنا أتى دور الشعراء في هذا الباب ليثبتوا هذه الفضيلة لصاحبها:
قال حسان بن ثابت:
وكان علي أرمد العين لم يجد دواء فلما لم يحس مداويا
شفاه رسول الله منه بتفلة فبورك مرقيا وبورك راقيا
وقال كاظم الأزري :
وله يوم خيبر فتكات كبرت منظرا على من رآها
يوم قال النبي إني لأعطي رايتي ليثها وحامي حماها
وقال ابن أبي الحديد:
يا قالع الباب الذي عن هزه عجزت أكف أربعون وأربع
وأما العبادة:
فعلي-عليه السلام-هو القائل: (ادفعوا أمواج البلاء بالدعاء),وهو المناجي ربه :_ (إلهي كفى بي عزا أن أكون لك عبدا...) وذكر الشيخ ابن ميثم البحراني في شرح نهج البلاغة وكذا المجلسي في البحار هذه المناجاة العلوية المبينة طرق عبادة الله سبحانه وتعالى وأن الطريقة العبادية العليا كانت تناسب قلبه الشريف: ( إلهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا شوقا إلى جنتك ولكن رأيتك أهلا للعبادة فعبدتك) نلاحظ الشاكرين المحبين الأحرار وليست من جنس عبادة العبيد حيث الخوف ولا عبادة التجار حيث الطمع رغم أن إطلاق العبادة عليها كلها لا يخلو من صحة.
وأود أن أختم هنا بوصف عدي بن حاتم الطائي عليا-عليه السلام-لمعاوية بن أبي سفيان قال: ( كان والله بعيد المدى شديد القوى يقول عدلا ويحكم فصلا تنفجر الحكمة من جوانبه والعلم من نواحيه... فأقسم لقد رأيته ليلة في محرابه ودموعه تتحادر على لحيته وهو يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين فكأني الآن أسمعه يقول : يا دنيا ألي تعرضت أم إلي أقبلت غري غيري لا حان حينك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك فعيشك حقير وخطرك يسير آه من قلة الزاد وبعد السفر وقلة الأنيس) سفينة البحار للمحدث الشيخ عباس القمي. |