|

بيوت الغاضبات أو بيوت حواء فكرة تطرح نفسها بقوة في المجتمع المصري في ظل تزايد معدلات ضرب الأزواج لزوجاتهم فتصبح هذه البيوت الملجأ والمأوي .
وفي دراسة أجراها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ديسمبر الفائت ثبت أن 47.4% من المصريات تعرضن للضرب من أزواجهن بعد بلوغهن الخامسة عشر، و7% من السيدات تعرضن للعنف الجنسي من قبل أزواجهن، كما قام مركز الأرض لحقوق الإنسان بدراسة حول الأمر منذ عدة أشهر من خلال رصد العنف التي تم نشرها في الفترة الأخيرة وحوادث الاعتداءات والانتهاكات ضد المرأة بلغت 400 حالة وشكلت حوادث الخطف والاعتداءات الجنسية سواء داخل الأسرة أو من المجتمع 65 حالة من بينها 15 حالة اعتداء جنسي داخل الأسرة سواء من الأب أو الأخ أو زوج الأم أو ابن العم.
وتنوعت أسباب الاعتداء إما بغرض الانتقام أو بسبب رفض الزواج أو بسبب رفض مضايقات أحد الأشخاص، وقد أسفرت أحداث العنف عن الإيذاء البدني وهتك العرض والسرقة.
وأشارت دراسة مركز الأرض إلى أن معظم الفئات المعتدى عليهن من ربات البيوت ثم العاملات وأخيراً الطالبات، وتنوعت أسباب العنف الأسرى بسبب السرقة أو الشك في السلوك أو الحمل السفاح أو عن طريق الخطأ بالإضافة إلى جرائم القتل التي ارتكبت في حق النساء بحجة الدفاع عن الشرف من جانب الأب أو الأخ، كما رصدت الدراسة حالات لسيدات حاولن الانتحار وتنوعت أسباب الانتحار ما بين اليأس من الشفاء وخلافات زوجية وعائلية أو الحرمان من رؤية الأطفال أو خوفاً من كشف علاقة محرمة أو بسبب رفض الأهل لزواجها ممن ترغب.
وتعود فكرة “الدور السرية” أو “بيوت الغاضبات” لبداية القرن الرابع الهجري حيث قام بعض الأفراد بوقف بيوت ومنح بعض السيدات مسؤوليتها لتنتقل إليها المرأة الغاضبة أو المطرودة من زوجها وليس لها مأوى وكانت تسمى “بيوت الغاضبات” وكانت منتشرة في الشام.
ريم مهني – المسؤولة عن مشروع “بيت حواء” التابع لجمعية نهوض وتنمية المرأة تقول: “نحن كجمعية مهتمة بشؤون المرأة نعمل منذ 25 سنة ونركز تواجدنا في المناطق العشوائية والفقيرة لأن 80% ممن تقع عليهن أعمال العنف من الفقيرات فنقدم لهن الخدمات الصحية اللازمة والخدمات القانونية مثل المحامي للحصول على حقوقهن ممن ظلمهن وبالخبرة تأكدنا من وجود الكثيرات اللاتي تعرضن للظلم سواء بالضرب أو السحب أو محاولة القتل فقررنا إنشاء دار لإقامتهن مع أطفالهن بعيداً عن أزواجهن، فهي تعتبر سكنا مؤقتا للزوجة.
تضيف: “8” بيوت تستقبل هؤلاء السيدات اللاتي تعرضن للعنف من أزواجهن أو أبنائهن وهذه البيوت تبنت إنشاءها بعض الجمعيات الأهلية، ونحن نستقبل حالات كثيرة من المجلس القومي للمرأة” وتضيف أن: “بيت حواء عبارة عن عمارة مكونة من “6” طوابق السعة المكانية لها 90 سريراً وفترة الإقامة تتراوح ما بين 3 و 9 شهور ويتم تحديدها كل 3 شهور من خلال عقد بيننا وأهمية العقد تعود لعدم الافتراء علينا والقول بأننا خطفنا السيدة وأولادها ويتم خلال تلك الفترة رعاية المرأة صحياً ونفسياً من خلال جلسات إرشاد ودعم نفسي واستماع للتمكن من التأقلم مع حياتها ومع المجتمع بعد ذلك عندما تغادر البيت، كما نقوم بإعطائهن دروس محو أمية لهن ولأبنائهن وإذا كان أطفالهن بمدرسة ما يتم تحويل أوراقهم لمدرسة أخرى ونتكفل بكل المصاريف كما أن هناك حديقة ملحقة بالمنزل للأطفال، بالإضافة لتعليم السيدة حرفة من خلال إلحاقها بمشغل على سبيل المثال وندرس حالياً إمكانية تنفيذ برنامج إقراض مع مساعدتها في إيجاد عمل لتتمكن من الاستقلال.. مع الاهتمام بالطبع بتغذيتها هي وأبنائها، وأحياناً نبدأ بمساعي الصلح ولكن دون الإرشاد عن مكان الدار وبالفعل نجحنا في حل 40% من المشكلات عن طريق جلسات عرفية يحضرها الزوج والزوجة وأقارب الطرفين وشخص موثوق فيه “كبير القعدة” ليكون حكماً بينهما..

ولكن هذا التدخل مشروط بموافقة صاحبة الشأن وإذا لم يكن لديها رغبة في الصلح توسطنا في رفع قضية خلع أو نفقة أو حضانة للأطفال ولكن أهم ما نحرص عليه هو أن تكون تلك البيوت سرية لا يعرفها أحد حتى لا تتعرض السيدات للتحرش من أهلهن أو أزواجهن.
وتواصل ريم: “يعتبر الاغتصاب أقسى أشكال العنف التي تتعرض له معظم المترددات علينا، ولكننا في الحقيقة لا نقبل سيدات أو فتيات أقل من 18 سنة، لابد أن تكون الفتاة أو السيدة راشدة أمام القانون، وللأسف يلجأ إلينا أحياناً فتيات صغيرات تعرضن للاغتصاب وللاعتداء الجنسي فعلى سبيل المثال جاءتنا فتاة عمرها 13 عاماً، ومعاقة تعرضت للاعتداء الجنسي ثم سلكت طريق الرزيلة، ولكن لا يوجد حد أقصى للسن فنحن نقبل سيدات حتى 100 عام!!
فلدينا سيدة مسنة قد تعرضت للعنف من ابنها للحصول على شقتها وأقصى حالات العنف تعرضت له سيدة تم تكسير معظم عظامها وأخرى تعرضت للحرق من قبل الزوج وسيدة اعتدى عليها زوجها البخيل بالضرب لدرجة حدوث تشوهات في جسدها.
ويقوم مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسي لضحايا العنف بنفس الدور السابق من حيث مساندة النساء... هذا ما تؤكده ماجدة محمد، مديرة المركز قائلة: “70% من حالات العنف ضد المرأة تتم داخل الأسرة وخاصة من الزوج، ومعظم هذه الحالات تتركز في الشريحة العمرية ما بين 30 و 40 سنة وبعد بحث الحالة نحدد نوع الخدمة سواء كانت استماعاً أو إرشاداً نفسيا أو تقديم العلاج أو التأهيل النفسي لبعض الحالات التي تتطلب ذلك وفى أحيان أخرى نرفع قضايا طلاق أو نفقة أو رؤية أو تمكين من الشقة، بالإضافة لصور العنف التي يمارسها الأب أو الأخ من ضرب وسب وإهانة وحرمان من التعليم ومن الخروج من المنزل” وتشدد ماجدة على ضرورة سن قوانين رادعة لتجريم العنف الأسرى والأهم من ذلك أن يتم تنفيذها.. فباسم الحفاظ على الأسرة يتم التواطؤ على علاقات أسرية قائمة على القهر الإنساني والسلطة الذكورية، وقد سبق وقد منا في مارس 2008 مشروع قانون لحماية النساء من العنف الأسرى، فنحن لا يهمنا سجن الرجل بصورة مباشرة ولكن يتم العقاب على أكثر من مرحلة خصوصاً إذا كانت المرأة لا ترغب في الطلاق ولكنها تريد أن يعاملها بإنسانية، فنحن نطالب بإخضاع الرجل لبرامج التأهيل والتدريب في البداية ولكن إذا عاد لنفس الفعل مرة أخرى يعاقب بأمر خدمة المجتمع بما يتفق مع مؤهلاته.

وحول مدى أهمية تلك الدور السرية وهل هي بالفعل ملاذ للمرأة المعنفة، يوضح دكتور فؤاد سعدة، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث: “هذه الدور بدعة جديدة في مصر ولكنها موجودة منذ زمن بعيد في كل دول العالم وفى الدول العربية أيضاً فهي على سبيل المثال موجودة في المغرب وتونس وهذا حق طبيعي للمرأة فمن حقها أن تجد من يتولى أمرها عندما تفشل كل الطرق السلمية في رفع العنف والأذى عنها وأنا أناشد وزارة التضامن الاجتماعي الالتفات إلى هذه الدور لأهميتها والعمل على دعمها بشكل رسمي، فهذا الملجأ يحل محل الأسرة عندما لا تجد المرأة من يعينها ويساعدها على التخلص من الظلم ويعينها على رعاية أبنائها وأيضاً هي طوق النجاة في حالات الفقر الشديد، ولكن على المسؤولين دعم تلك الدور والتعامل مع الأمور بحكمة ودراسة الحالات بشكل جيد ومتعمق للوقوف على الطريق الخطأ ومحاولة إصلاحه قبل أن تتفاقم الأمور وتصل للمحاكم، فلا داعي لاستقبال حالات الخلاف البسيطة حتى لا تفتح مجالاً لتفاقم المشاكل ومن ناحية أخرى على الأسرة أن تراعى بناتها حتى لا يتعرضن ويدفعن ثمن إهمال الأهل الذين في حالات كثيرة يلجأون للعنف مما يدفعهن إلى الهرب.
|